عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

82

معارج التفكر ودقائق التدبر

إنّهم غير متّهمين في دعوتهم إلى الحقّ ، وجاء هذا البيان لدفع توهّم أنّهم يتّخذون الدّعوة إلى الحقّ وسيلة للوصول إلى مصالح شخصيّة دنيويّة من دعوتهم عند القوم ، فكثير من النّاس يدعون إلى الحقّ بحجج برهانيّة ، لكنّهم يتّخذون ذلك غطاء لمصالح دنيويّة يريدون الوصول إليها ، حتّى إذا وصلوا إلى مراداتهم من الدّنيا تخلّوا عن الحقّ والدّعوة إليه ونصرته ، وتكشّفت عيوبهم ، وظهر عدم التزامهم بما كانوا يدعون إليه . ومن صفات كلّ الرّسل أنّهم لا يسألون الناس أجرا ، مقابل دعوتهم إلى دين اللّه الحقّ ، للظفر بسعادة الدنيا وسعادة الآخرة ، فقد أمر اللّه عزّ وجلّ كلّ رسول بأن يقول لقومه : لا أسألكم عليه أجرا ، فقال لقومه كما أمره اللّه . المقولة الثالثة : دلّت عليها عبارة : . . . وَهُمْ مُهْتَدُونَ ( 21 ) : ففي هذه العبارة تأكيد صدق هؤلاء الرّسل في دعوتهم بأنّهم في ذواتهم مهتدون ، على صراط مستقيم ، في أخلاقهم ، ومعاملاتهم ، وعباداتهم ، والتزامهم بالحقّ ، والعدل ، والعفّة ، والزّهد فيما في أيدي الناس ، والصّدق ، والأمانة ، إلى غير هذه الصفات من كلّ ما يدعو الدين وتدعو موازين العقل السليم للالتزام به ، فلا شيء يجرح سلوكهم حتّى يكونوا متّهمين في دعوتهم ، بل هم أسوة حسنة لكلّ من أراد أن يتأسّى بذوي الفضائل ومحاسن الأخلاق والسّلوك . وبهذه المقولات الثلاث أقام مؤمن أصحاب القرية الحجّة الدامغة على صدق الرّسل الثلاثة ، وأنّ على قومه أن يؤمنوا بهم ويتّبعوهم . * * * قول اللّه عزّ وجلّ : * وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 22 ) أَ أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ